الانتخابات الفلسطينية: بين الحقوق الوطنية والقضايا الخدماتية

تابعنا على:   14:06 2021-03-02

مصطفى إبراهيم

أمد/ يسود اعتقاد لدى قسم ليس قليل من الفلسطينيين في الأراضي المحتلة أن الإنتخابات فرصة للتغيير، وهم يعدون الأيام ليوم التصويت، فهم يريدون التصويت للمحاسبة والمساءلة. لكن يبقى السؤال الرئيسي ما الذي يأملونه من انتخاب مجلس تشريعي جديد ونصف المسجلين للاقتراع أول مرة في حياتهم يمارسوا الانتخابات.

في الطريق للإنتخابات انتصر الرئيس محمود عباس بفرض رؤيته بإجراء الإنتخابات قبل المصالحة، وفرض إرادته وإجبر الجميع على الإنجرار خلف ما يسمى وهم التوافق التصالحي غير الحقيقي لتجديد الشرعيات على حساب إرادة ورغبة الفلسطينيين لتغيير النظام السياسي.

وخلال ذلك لم يستطع الفلسطينيين التوافق على قضايا الخلالف والعقبات الكبيرة امامها وكذلك لم يتمكن الرئيس عباس حتى الان من توحيد حركة فتح وتشكيل قائمة إنتخابية تمثل الكل الفتحاوي. في ظل تحديات ومعارك لم تعد خافية بين الاطراف المتصارعة سواء التيار الاصلاحي الديمقراطي “تيار دحلان”، او المعارضة العلنية لعضو اللجنة المركزية للحركة ناصر القدوة وقوله باستفراد الرئيس بالقرار، والحديث عن تشكيل قائمة من قبل القيادي الفتحاوي نبيل عمرو، والاخبار تنقل عن قوائم فتحاوية وليس قائمة واحدة.

وفِي ضوء ذلك من المتوقع أن تغيب البرامج السياسة والفكرية والمراجعات النقدية والقضية الوطنية، وتحضر البرامج الخدماتية والقضايا الاجتماعية والمعيشية والحريات، وستكون معركة التصويت انتقامية ثأرية والوعود ووهم النهوض بالاوضاع المعيشية اليومية.

يعيش الفلسطينيون منذ عقد ونصف من الزمن أزمة تزييف للوعي الجمعي، وأجزم ان المسؤول عن هذا الواقع النظام السياسي الفلسطيني بقيادته التي تسيطر على جميع مناحي حياة الفلسطينيين والاستفراد والاقصاء.

تزييف وكي الوعي الوطني يتجلى بالفول بتحميل غزة عبء وفرادنية الأنقسام وسيطرة حماس على غزة وحالها الكارثي وحصارها، ومقارنة الأوضاع الصعبة التي تعيشها عزة مع الضفة الغربية وتسويق انها أفضل حالاً اقتصاديا وإجتماعياً.

ومع هذه المقارنة العجيبة نرى أن حال الضفة أسوأ باضعاف المرات بتقسيمها إلى مناطق وفق إتفاقية اوسلو، وهي تخضع كليا لسيطرة إسرائيلية كاملة للاحتلال الاسرائيلي، على الرغم من سيطرة السلطة نظريا على المدن الرئيسية المحاصرة والمستباحة، وتقطيع اوصالها وتفتيت نسيجها المجتمعي ومدنها وقراها وهوياتها القبلية والعشائرية، وسلطة فاسدة ضعيفة.

أوضاع غزة كارثية ومأساوية، لكن بالنظر للضفة والقدس والسياسات الاستعمارية الاستيطانية العنصرية الصهيونية، يؤكد أن ما يجري هو تزييف وكي للوعي بتحميل طرف المسؤولية دون النظر الى السياسات التي أوصلت الفلسطنيين إلى هذا الحال، والمقارنات والمقاربات غير الموضوعية التي تسيطر على عقول الناس والذهاب إلى هذا التقسيم المناطقي لدرجة تفتيت الهوية الوطنية الجامعة.

مع سير العملية الانتخابية وفقا للجدوال الزمنية التي أعلنتها لجنة الانتخابات المركزية، بدأت تتضح رؤية بعض الفصائل والقوائم الإنتخابية التي تستعد للانتخابات وتحديد برامجها وشعاراتها الانتخابية، والتي تركز على احترام كرامة المواطنين من خلال إعمال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية اليومية، والتوظيف ومحاربة البطالة والفقر، وتكافؤ الفرص ومحاربة الفساد، وسيكون ذلك على حساب اللحقوق السياسية الوطنية والكفاحية والهوية الجمعية، والانقسام على وسائل النضال ضد الاحتلال.

وفي ظل انقسام سياسي لا زال مستمراً، كيف ستتحق شعارات الهوية الجميعة وشعارات الكرامة والحقوق، لانتخاب مجلس تشريعي جديد لم تتضح هويته والتوجهات السياسية للفائزين المحتملين في وسط فوضى وحمى المرشحين عشائرياً.

في الانتخابات التشريعية للعام 2006 أطلقت حركة حماس عن كتلتها البرلماتية تحت مسمى التغيير والاصلاح، ويقول الناس أنهم لم يروا لا تغيير ولا إصلاح، وكان جزء من حملتها هو التغيير في المواضيع السياسية والخدماتية، وستتركز الحملات الانتخابية في الانتخابات الحالية على الموضوع الخدماتي، وستكون المعركة من جميع الفصائل والكتل القوائم الانتخابية على الخدمات وهو مهم في ظل أوضاع كارثية يعيشها قطاع غزة.

والسؤال: هل ان اوضاع الضفة افضل حالا من القطاع؟ الموضوع الخدماتي والحقوق الاقتصادية والاجتماعية مهم، لكن لا يمكن أن يتم صرف أنظار الناس عن السبب الحقيقي لحال الفلسطينيين وهو الاحتلال الاسرائيلي الذي يسيطر على جميع مناحي حياة الفلسطنيين، وسرقة مواردهم وحصار القطاع والاستيطان، وغيرها من الحقوق المنتهكة.

والخطير هو التركيز على القضايا الخدماتية على حساب الصراع الفلسطيني الإسرائيلي والاحتلال، وفي خضم ذلك نسيان القضية الفلسطينية والحقوق الوطنية والحرية ومقاومة الاحتلال.

 وفي خضم ما هو متوقع، وما يأمله الناس وما نعيشه ونسمعه من شعارات ووعود بالتغيير والمن والسلوى والعيش الرغيد، كيف ستتحق تلك الوعود لسلطة حكم ذاتي لا تسيطر على مواردها وتخضع الاحتلال وتعيش على المعونات والمساعدات الخارجية وجباية الايرادت المحلية من شعب يعيش على المعونات؟

ومن أوصل الفلسطينيون الى هذه الحال المأساوية؟ ومن المتوقع ان لا تترجم إلى سياسة فعلية، ورفع سقف التوقعات بين الناس ومن الفصائل التي ستذهب بعيدا في وعودها وفي الوقت ذاته فقدت من رصيدها ودورها التاريخي في تجقيق اهدافها واهداف الشعب الفلسطيني في التحرر والاستقلال،

وهي سبب من اسباب ما وصلت اليه القضية الفلسطينية، وفشل النظام الفلسطيني في تعزيز صمود الناس، والان هي شريك رئيس في رفع سقف التوقعات، ولا يستطيع اصغر عضو فيها بالتنقل بحرية بين الضفة وغزة.