جماهير القيادة وقيادة الجماهير

تابعنا على:   09:07 2021-10-22

نصار جرادة

أمد/ لا يحكم الناس أنفسهم ولا يختارون في الحقيقة والجوهر بمحض إرادتهم ساستهم وولاة أمرهم ولا يشاركون بقدر مؤثر كبير في صناعة حاضرهم أو مستقبل أجيالهم وإن بدا لهم أو ظنوا واهمين غير ذلك ، يحدث هذا عموما في جل أصقاع الأرض وبالأخص في دول العالم المتخلف الذي ينعت تلطفا بالنامي ، فهناك من يلفق ويفبرك من وراء ستار الوقائع الرئيسة والأحداث الكبرى والمنعطفات التاريخية ، يرتب حصولها وتواردها ويبذل في سبيل تحقيق ما يريد من غايات قذرة جهودا جبارة ويصرف أموالا طائلة لتبدو النتائج طبيعية وتلقائية ويصنع من خلال ذلك واقعا يناسبه ويخدم مصالحه الخاصة والعليا بخطوط عريضة وملامح أساسية سياسية واقتصادية وعسكرية وأمنية ، وإن فشل أو قصر جزئيا في تحقيق غاياته الجهنمية لسبب ما خارج عن إرادته فإنه يفرض ضد من لا يستكينون له ويرفضون دخول بيت طاعته القميء حصر اقتصادية ظالمة وعقوبات مالية قاسية ويمهد عبر أدواته المجرمة الكامنة لحصول ثورات موجهة متحكم مسبقا بنتائجها فضلا عن افتعال حروب تدميرية شعواء وتنصيب قادة دمى وحكام صوريين بطرق لا شرعية ملتوية والدفع بهم عمدا إلى صدارة المشهد السياسي في كل بلد ضحية مغلوب على أمره مرصود وتلميعهم وإظهارهم بمظهر الزعماء الحقيقيين والوطنيين البررة أو الأنقياء الأتقياء!! .
وبعد : هناك في دهاليز وأقبية أجهزة مخابرات دولية عظمى من يرسم السياسات القذرة ويضع الخطط الاستراتيجية الكبرى وهناك من يتابع تكتيكات التنفيذ ، يحرك ويوجه ، يراوغ ويناور إذا اقتضى الأمر ، وهناك من يراقب ويقيم ، يدقق ويتأكد من مقدار التزام الكومبارس القيادي الطافي على السطح بالتعليمات والأوامر والخطط التي تعد مخالفتها أو الخروج عليها دون مبرر أو داع كبيرة من الكبائر تستوجب الخلع والطرد وأحيانا القتل أو الاغتيال ، فالحكم في واقعنا المعاصر كما في العصور الغابرة بلا مبادئ أو أخلاق على الإطلاق وكذا رموزه وأقطابه الكبار وقد كان قديما من نصيب المتغلب بالسيف يوم كان للسيف ألقه وبريقه وجدواه ، أما حاضرا فهو في العالم الأول لقيادات الأحزاب الكبرى الممولة برجوازيا والقادرة على حشد الجماهير خلف برامج ورؤى سياسية واقتصادية قابلة للتطبيق ، أما في بلداننا وواقعنا المتخلف المزري فهو للمستبد الوصولي النفعي والمنفذ الأمين للأوامر والتعليمات القادمة من وراء البحار والمنبطح المطيع الصاغر الأكثر التصاقا بالأرض الذي يحظى بسبب مؤهلاته ومهاراته آنفة الذكر بالرضا التام والدعم الكبير من قوى الهيمنة والاستكبار التي تتشكل منها حكومة العالم الخفية العظمى التي يتنافس أعضاؤها الكبار فيما بينهم بهدف الاستحواذ على مقدرات أوطاننا وإبقائنا هائمين في أفلاكهم بلا حول منا ولا قوة !! .
وهو- أي الحكم - سلسلة مترابطة متتابعة متلاحقة من المؤامرات والدسائس والمواجهات الدموية مع الخصوم والمنافسين الذين قد يشكلون بديلا محتملا أو ممكنا وليس كما يروج دهاقنة السياسة حراس ( الوطن / الوثن !! ) وأساطين الدين المتآمرون وكلاء ( الرب / النهب !! ) ، هؤلاء الذين نفتقر لكي يكنزوا ونجوع لكي يشبعوا ونعرى لكي يلبسوا ونسكن في الخيام ليقطنوا أفخم الفيلات والقصور ، نركب المواصلات العامة ليتحركوا في أبهى المواكب ، نهان ونتضاءل ونتصاغر كل يوم وساعة لنحفظ لهم هيبتهم وشموخهم وعزهم وكبريائهم ، نموت ونضحي بأنفسنا لكي يعيشوا وينعموا بطول الأمد هم وأبناؤهم وعوائلهم !! .
دهاقنة السياسة وأساطين الدين الذين لا هم لهم سوى الحفاظ على مصالحهم الخاصة الضيقة والبقاء أسيادا علينا رغم أنهم ارتقوا عواتقنا بزعم تحقيق مصالح ( الأوطان / الأوثان ) ومصالح الغلابة المطحونين !! .
وهو ليس كما يستقر في أذهان السذج المغفلين المغيبين الذين يهربون بواسطة أمانيهم وخيالاتهم من جحيم واقع بائس معاش لا فكاك منه إلى نعيم مؤجل لاحق تعويضي في حياة أخرى آتية ولا ريب ، بدلا من الثورة العاجلة الشاملة على كل أشكال الاستعباد ، الاستغلال والإفقار ، الظلم والتمييز !! .
وبعد : ليست الديمقراطية المزعومة في صورتها الفجة المصدرة وتطبيقاتها المشوهة المموهة إلا ستارا سميكا داكنا خادعا تحاول بواسطته قوى الهيمنة والاستكبار وقوى الفساد والطغيان المحلي والإقليمي المرتبطة بالأولى ارتباط الجنين بالمشيمة تغطية عيوب واقع فاسد مر وتمرير سياسات لا إنسانية قذرة وتجميل قبح لا متناهي لممارسات وسلوكيات سائدة جعلت من الإنسان المعاصر عبدا لأوهامه وقناعاته المزيفة ( الفالصو ) وحولته رغما عن أنفه دون أن يحس أو يدري إلى آلة مسيرة غبية لا حول لها ولا قوة وجعلت من عبودية الإنسان لأخيه الإنسان في القرون البدائية السالفة مقارنة بعبودية الإنسان في عصرنا الحاضر للنظم الفاسدة والأجهزة القامعة والهيئات العالمية المهيمنة المتجبرة كالبنك الدولي وصندوق النقد والشركات العملاقة متعددة الجنسيات العابرة للحدود والقوميات والعقائد والأيديولوجيات الفاسدة منتهية الأجل والصلاحية والارتباطات الوظيفية المذلة القاهرة وصعوبة الحصول على لقمة العيش وتأمين متطلبات الحياة الكثيرة ظاهرة بدائية بسيطة يسيرة هينة يمكن القفز عليها وتجاوزها والقضاء عليها متى توفرت الرغبة أو الإرادة والتصميم !! .
وبعد : لا تزال الجماهير الساذجة المغيبة تصدق ما يبث ويروج عبر الإعلام الرسمي وشبه الرسمي وتسلم راضية طائعة قيادها لجلاديها حارفي بوصلتها وناهبي مقدرات أوطانها لأنها لا تملك وعيا كافيا لإدراك خفايا الواقع الراهن وحقيقة كون حكامنا بلا استثناء مجرد أحجار شطرنج تتحرك على سطح واقعنا بقدر محسوب تنفيذا لإرادة قوى خارجية مهيمنة طاغية لا تضمر لنا الخير بتاتا بل الشر المطلق أوطانا وشعوبا !! .
ولا يزال الناس في مضاربنا البدائية البالية يعبدون فصائلهم وأحزابهم ومصالحهم الخاصة الضيقة لا ربهم الحقيقي وخالقهم وإن ظنوا واهمين بغير ذلك ، وبقدر ما تتعرض نخبنا الحاكمة - بلا استثناء - للإذلال المركز المتعمد من طرف قوى الهيمنة والاستكبار تقوم هذه النخب المريضة المهووسة المفعول بها بامتياز بممارسة ذات الدور معكوسا في صراع الهيمنة والبقاء وبالوقوف في وجه شعوبها نهبا وتجويعا وتقسيما وإذلالا وتخوينا وتهجيرا واعتقالا وقتلا !!

اخر الأخبار